إن القول بأن الزيدية حكمت ألف عام يتردد في بعض الكتابات، وينطوي على خلط تاريخي بين استمرار المذهب الزيدي واستمرار الإمامة الزيدية بوصفها سلطة سياسية. فالمذهب قد يستمر قرونًا، لكن ذلك لا يعني أن أتباعه حكموا البلاد طوال تلك المدة، ولا أن لهم حقًا دائمًا في السلطة.
ولفهم نشأة الإمامة الزيدية في سياق الصراع بين العلويين والعباسيين، بعد ثورات علوية أبرزها ثورتا محمد النفس الزكية سنة 145هـ وأخيه في البصرة في نفس العام، والحسين صاحب فخ سنة 169هـ.
وقد وفّرت جبال اليمن وقبائلها قاعدة مناسبة بعيدًا عن مركز الخلافة.
ثم بدأت الإمامة الزيدية في اليمن بوصول يحيى بن الحسين الرسي، المعروف بـ"الهادي إلى الحق"، إلى صعدة نحو عام 897م، لكن سلطته لم تشمل اليمن كله، ولم تستقر سيطرته على المناطق الشمالية بصورة متصلة. فقد ظل نفوذ الأئمة يتسع وينحسر تبعًا للصراعات السياسية والعسكرية، وتفاوتت سيطرتهم على المناطق اليمنية من عصر إلى آخر.
والدليل على ذلك أن اليمن شهد تعاقب دول عديدة، منها الزيادية والنجاحية والصليحية والأيوبية والرسولية والطاهرية، فضلًا عن العثمانيين وغيرهم. وقد حكمت هذه الدول مناطق واسعة من اليمن، في فترات لم يكن الأئمة الزيديون خلالها أصحاب السلطة الفعلية فيها. فكيف يصح، والحال هذه، القول *إن الزيدية حكمت اليمن ألف عام؟
أما الدولة القاسمية، *فقد اتسع نفوذها* بعد إخراج العثمانيين نحو عام 1635م، واستمر حتى عودتهم عام 1872م، أي قرابة 237 سنة، لكنها لم تكن طوال هذه المدة دولة مركزية مستقرة تسيطر على اليمن كله. *ثم قامت المملكة المتوكلية* عام 1918م، واستمر حكمها حتى ثورة 26 سبتمبر 1962م، أي نحو 44 سنة. *وهاتان المرحلتان لا تثبتان حكمًا زيديًا متصلًا لألف عام*، بل تكشفان تفاوت النفوذ وتعدد مراحل الصعود والانحسار.
كما أن التاريخ الزيدي نفسه شهد صراعات داخلية، ومن أبرزها ما وقع للمطرفية على يد المجرم عبد الله بن حمزة، بما تذكره المصادر من تكفير وقتال وقتل ومصادرة للأموال. وهذا يؤكد أن تاريخ الإمامة لم يكن تاريخًا متجانسًا، بل شهد صراعات مذهبية وسياسية حتى داخل البيئة الزيدية نفسها.
*وقد ارتبطت نظرية الإمامة* الزيدية تاريخيًا بمطالبة الإمام بالخروج لتولي الحكم، وشهد التاريخ تحركات مسلحة ضد سلطات قائمة، مع اختلاف الممارسات بين الأئمة. *وفي العصر الحديث، استفادت الحركة الحوثية* من ضعف الدولة والانقسام السياسي بعد عام 2011، حتى سيطرت على صنعاء في سبتمبر 2014. ومع ذلك، يجب التمييز بين التاريخ الزيدي بمراحله المختلفة والحركة الحوثية المعاصرة، دون افتراض التطابق الكامل بينهما.
إن استمرار الزيدية بوصفها مذهبًا دينيًا عبر قرون حقيقة، أما القول إنها حكمت اليمن ألف عام، فهو تعميم غير دقيق، يتجاهل حقيقة التاريخ والدول التي تعاقبت على البلاد والفترات التي خرجت فيها مناطق واسعة عن سلطة الأئمة. أما تحديد المدة الفعلية لسيطرتهم على صعدة وصنعاء وعمران والجوف، فيحتاج إلى حصر تاريخي مفصل لفترات السيطرة والانحسار.
والخلاصة: إن طول عمر المذهب لا يعني طول عمر سلطته السياسية، وأن استمرار الإمامة قرونًا لا يساوي حكم اليمن ألف عام. والحكم يُقاس بمدى السيطرة الفعلية على الأرض، لا بمجرد استمرار المعتقد أو تداول الروايات التاريخية.