30/ ربيع ثاني / 1448هـ


معنى الإرجاف :

 في لغة الشرع : مأخوذ من الرجفة وهي الزلزلة والتحريك الشديد، والمقصود به في أوقات الصراع والحروب: بث الأكاذيب وإشاعة أخبار السوء والتهويل لزعزعة الطمأنينة وكسر الروح المعنوية في صفوف المؤمنين.
‏قال النووي رحمه الله: يُمنع المُخذِّل من الخروج في الجيش، فإن خرج؛ ردَّه، فلو قاتل؛ لم يستحق شيئًا، ولو قتل كافرًا؛ لم يستحق سلبه.
والمُخذِّل من يُخوِّف الناس، بأن يقول: عدوُّنا كثير، وخيولنا ضعيفة، ولا طاقة لنا بهم، ونحو ذلك، وفي معناه المُرجِف والخائن؛ فالمرجف: من يكثر الأراجيف، بأن يقول: قتلت سرية كذا، أو لحقهم مدد للعدو من جهة كذا، أو لهم كمين في موضع كذا. والخائن: من يتجسس لهم، ويطلعهم على العورات بالمكاتبة والمراسلة. [روضة الطالبين (10/ 240)]


مظاهر إرجاف العدو وقت الصراع:

تتعدد مظاهر الإرجاف والتخذيل التي يمارسها الأعداء والمنافقون في أوقات الصراع إلى عدة أشكال:

 1. تضخيم قوة العدو والتهويل من عتاده:
●    فيتم تصوير العدو وجيوشه بقوة لا تُقهر لغرس الرعب واليأس من النصر في النفوس.
●    ترديد عبارات مثل «لا طاقة لنا بهم»؛ كما قال المنافقون وقت مواجهة الروم في غزوة تبوك: إن مواجهتهم معركة خاسرة لا قِبل للمسلمين بها.

 

2. نشر الشائعات الكاذبة وتلفيق أخبار الهزائم:
●    الترويج لأخبار ملفقة مفادها مقتل المجاهدين، أو هزيمة السرايا، أو أسر القادة لبث الهلع في الحاضنة الداخلية.
●    إذاعة الأباطيل عن تحالفات جديدة أو هناك تفاهمات مع بعض الجهات لاجتياح المجتمع المسلم لاستنزاف الثقة والأمن النفسي.

 

 3. التشكيك في وعد الله والنصر:
 السخرية من وعود التمكين وبث روح الانهزامية عند اشتداد الكرب ، كما صور القرآن حالهم يوم الأحزاب: ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾ ، وذلك حين سخروا من بشارات فتح كسرى وقيصر في ظل الحصار والخوف.

 

4. التثبيط والدعوة إلى التراجع والفرار:
●    محاولة ثني المقاتلين عن الصمود، والمناداة بترك مواقع الرباط ، كقولهم: ﴿يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا﴾.
●    السعي لتعويق الناس وتخويفهم من التكاليف والمشاق ؛ كما قالوا في تبوك: ﴿وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ﴾.

 

5. اختلاق الأعذار الكاذبة والانسحاب لإحداث الفوضى:
●    التهرب من خوض المعركة وطلب الإذن بالانصراف بدعاوى واهية، كحجة حماية البيوت المكشوفة: ﴿وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا﴾.
●    الانسحاب المفاجئ من الجيش قبل اللقاء أو في ثنايا المعركة لتفتيت الصف وإيقاع التردد في نفوس الباقين، كما فعل رأس النفاق عبد الله بن أبي ابن سلول في غزوة أحد وتبوك.

 

6. الطعن في القيادة والسخرية من القرارات والتهوين من جدواها.:
●     وذلك بتحميل القيادة مسؤولية أي ابتلاء أو خسارة واتهامها بسوء التدبير والتصرف لإسقاط هيبتها وثقة الناس بها ؛ قال تعالى في تصوير مسلكهم: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ﴾.
●    السخرية من القادة وخيار الجند والتقليل من شأنهم لخلخلة الثقة المتبادلة بين أفراد الصف الواحد.

سبل مواجهة الارجاف:
وضع المنهج الشرعي قواعد محكمة لمواجهة الإرجاف والشائعات في أوقات الصراع والأزمات، لحماية الجبهة الداخلية من التصدع وحفظ تماسك الصف، ومن أبرز هذه السبل:

 

1. التثبت والتبين فيما يقال أو ينشر حتى لا يحصل ما يحمد عقباه:
●     فوجوب التحقق من صحة الأخبار وعدم الركون إلى الأقاويل والظنون؛ دل عليه قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ الحجرات.
●     الحذر من الانسياق خلف ما يُشاع دون برهان؛ لقول النبي ﷺ: «بئس مطية الرجل زعموا» رواه أبوداود.

 

 2. رد الأمر إلى أهل الاختصاص والقيادة علميا وسياسيا وعسكريا:
●    فحصر معالجة الأخبار العامة وقضايا الأمن والخوف بالرجوع إلى أولي الأمر والعلماء وأهل الرأي والخبرة؛ فهم القادرون بفطنتهم ودرايتهم على استنباط الحقائق وتقدير المصلحة في نشر الخبر أو كتمانه.
●    قال تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ النساء. قال ابن سعدي في فوائد هذه الآية: "وفيه النهي عن العجلة والتسرع لنشر الأمور من حين سماعها، والأمر بالتأمل قبل الكلام والنظر فيه، هل هو مصلحة، فيُقْدِم عليه الإنسان، أم لا فيحجم عنه". 

 

 3. إماتة الشائعة بعدم التحديث بها:
●    الكف عن نشر وتداول كل ما يُسمع، فإن ترديد الإرجاف يُسهم في إنجاح مخططات العدو النفسية.
●    قال النبي ﷺ: «كفى بالمرء كذبا أن يحدث بكل ما سمع» رواه مسلم ، وقال أيضاً محذراً من نقل الأقاويل: «إن الله كره لكم قيل وقال».

 

 4. تقديم حسن الظن ورد الموهوم إلى المعلوم:
 تقديم حسن الظن بالمؤمنين وقادتهم، والاعتماد على الحقائق الثابتة لدفع الأوهام والشكوك ؛ تأسياً بالتوجيه القرآني: ﴿لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ﴾ النور، وقوله سبحانه: ﴿وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ النور.

 

 5. المواجهة الإعلامية والرد الحازم:
المقاومة الفعلية للإشاعة بطريقة عملية إيجابية، تقوم بها الجهات المسئولة كالبلاغات والبيانات التي تفندها، ومعاقبة المرِّوجين لها:
●    فتقوم بتفنيد الأباطيل وتوضيح الحقائق عبر البيانات والتوجيهات الصادرة عن الجهات الرسمية لقطع دابر الإشاعة.
●    ردع المرجفين ومعاقبتهم إذا تعمدوا بث الفرقة والوهن في الصف الداخلي؛ عملاً بقول الله تعالى: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا﴾ الأحزاب.

نسأل الله أن يجعل لبلادنا فرجا ومخرجا، وأن يرد كيد عدونا في نحره، وأن يمكن لنا ديننا الذي ارتضاه لنا وأن يبدلنا من بعد خوفنا أمنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

 


*من صفحة الكاتب على الفيسبوك