منذ بزوغ فجر الإسلام، ومع شدة الصراع والاحتدام بين معسكر الكفر والإيمان، كان رسولنا عليه الصلاة والسلام يتطلّع إلى إسلام أهل (الأقاليم العظام).
فنظر إلى العراق واليمن والشام، فقال: (اللهم أقبل بقلوبهم وحط من ورائهم) {رواه الطبراني}.
إلا أن قلبه حينها كان يهفو إلى بلدة منها أعلمه الله بفضلها وبعظيم شأنها، وهي (اليمن بلادنا). فعن زيد بن ثابت قال: نظر رسول الله ﷺ قِبل اليمن فقال: (اللهم أقبل بقلوبهم) {الترمذي}.
فاستجاب الله الدعاء، وحقق المراد والرجاء، فتوافد أهل اليمن على الإسلام من كل الأنحاء والأرجاء.
إلا أنهم طلبوا طلباً صار لهم بعد ذلك شعاراً وديدناً وسمتاً وهدياً.
قالوا: يا رسول الله، (ابعث لنا رجلاً يعلمنا السنة والإسلام) {رواه مسلم}.
فطلبوا (العلم والفقه والبيان)،
وسألوه (جناب الصحب الكرام)،
وحرصوا على (السنة والامتثال).
فكانت هذه الصفات الثلاث ملازمة لأهل اليمن في كل زمان ومكان.
فبالعلم صاروا أهل فقه ورواية، وأهل علم وحكمة ودراية، ولا يزال العلم يجري في عروقهم في كل أوقاتهم وأحوالهم، وهذه الدور والمراكز شاهدة على شدة نهمتهم، فلله درهم. وفي الحديث: (الفقه يمان والحكمة يمانية).
وبمقام الصحبة، حيث تتابع عليهم الكثير من الصحب الكرام وبمرور الأزمان والأعوام، تأثروا بهم وتمسكوا بغرزهم. قال ابن عمر حين رأى رفقة من أهل اليمن قدموا للحج: (من أحب أن ينظر إلى أشبه رفقة كانوا بأصحاب رسول الله فلينظر إلى هؤلاء) {صحيح أبي داود}.
وبالسنة التي طلبوها من أول وهلة أحبوها، واعتقدوها واعتنقوها فما رضوا عنها بدلاً.
فأصبحت اليمن هي بلاد (السنن) إلى هذا (الزمن)، وبشهادة أهل العصر.
وفي حين يذاد أقوام عن حوض رسولنا ﷺ يوم القيامة لبدعتهم، فهو عليه الصلاة والسلام يفسح الطريق لأهل اليمن لكي يشربوا منه لاتباعهم.
فهذه هي المكارم والمنن، وهؤلاء هم أهل اليمن: (علم واتباع وسنة) و(توقير لمقام الصحبة).
ما كانوا يوماً روافض ولا خوارج،
ولا قبورية مبتدعة ولا نواصب!
إنما هي إرهاصات تبتلى بها بلادنا بين الفينة والأخرى،
ثم تعود إلى أصلها ومجدها، (مدد) للإسلام دائماً وأبداً، حتى يرث الله الأرض ومن عليها.
فاللهم رحماك رحماك بأهلنا وبلادنا.