في معركة أحد، وبعد قتال عنيف ومقاومة شرسة، استطاع المشركون أن يقتربوا من القائد الأعلى للجيش، نبينا محمد صلى الله عليه وسلم. فلما رهقه المشركون، وكان حوله تسعة من الرجال، وقد شُجَّ وجهه، وكُسرت رباعيته، ودخل المِغْفَر في وجنتيه، وتخضبت لحيته بالدم، وضربه أحد المشركين بالسيف على كتفه حتى توجع منها شهرين، قال النبي صلى الله عليه وسلم محرضاً رجاله رضوان الله عليهم: «من يردهم عنا وله الجنة؟».
فتقدم رجل من الأنصار فقاتل حتى قُتل، ثم تقدم الرجل الثاني وكان من الأنصار فقاتل حتى قُتل، ثم تقدم الرجل الثالث وكان من الأنصار فقاتل حتى قُتل، ثم تقدم الرجل الرابع وكان من الأنصار فقاتل حتى قُتل، ثم تقدم الرجل الخامس وكان من الأنصار فقاتل حتى قُتل، ثم تقدم الرجل السادس وكان من الأنصار فقاتل حتى قُتل، ثم تقدم الرجل السابع وكان من الأنصار فقاتل حتى قُتل، هكذا يتتابعون فيُقتل الواحد تلو الآخر حتى بلغوا سبعة شهداء.
فنظر النبي صلى الله عليه وسلم لصاحبيه الاثنين، وكانا من قريش، وقال: «ما أنصفنا إخواننا».
عبارة قالها عليه الصلاة والسلام تُبين تحسره على أنهم لم يُنصفوا أولئك الأنصار حينما بقوا في وجه الخطر دون أن يكون معهم من يتناوب أو يشارك في هذا الدفاع من إخوانهم المهاجرين الذين تأخروا ولم يصلوا في تلك اللحظة الحرجة، ووالله ما تأخروا رغبة بأنفسهم ولا قعوداً عن القتال، فهم في وسط المعركة وسيوفهم مشرعة وجراحهم نازفة، لكن لعلهم غفلوا عن دعم الثغر الأخطر، ولم يصلوا إليه في الوقت المقدر، وكان القتل في إخوانهم الأنصار أكثر، فتحسر النبي لذلك، وبلغهم بوجعه عليه الصلاة والسلام مما لحق بالأنصار.
وها هي تعز تقاتل منفردة، صابرة صامدة.. وستظل صامدة بإذن الله، والنصر لها، ولكن من المعيب في حقنا أن تدفع هي الضريبة الأكبر والتضحيات الأكثر.
ليس من الإنصاف أن تقاتل هذه المدينة الباسلة شبه منفردة، فأين أخواتها؟!
نعم، الكل يتفاعل ولهم عمل يُشكر وأثر لا يُنكر، ولكن لا زلنا دون المستوى المطلوب، والكل يساهم، ولكن لا تزال المساهمة دون الواجب وأقل مما ينبغي.
الحوثي يتداعى على تعز من كل مناطق نفوذه، ويحشد ضدها من كل شبر يسيطر عليه، وقد أرهقها بمليشياته المجرمة، فهل من الإنصاف أن تكون حركتنا لنصرتها بطيئة، وسيرنا لدعمها متثاقلاً؟!
ما هكذا تُدار الحروب، ولا هكذا تُمتطى ظهور الخيول!
شكراً لكل الثغور، وبارك الله في كل الجنود، ونصر الله كل الجبهات.
وشكراً خاصاً للأبطال من رجال الصبيحة، والعمالقة والدرع، ولصقور الجو، فقد كانوا من السبّاقين، ولا قصور في الباقين.
والله أكبر والنصر لنا وليخسأ الخاسئون.