عندما قرر الفتية الخروج من البلد والوصول إلى الكهف سألوا الله الرشد بوصفة حالة من البصيرة وحسن التدبير وسداد الرأي، والإطلال غير المباشر على النتيجة.
إن سؤال الرشد في الأمر وسط عالم متداخل التعقيدات سريع التقلبات خطوة مهمة يُستنزل بها التوفيق ويتلمس بها طرق الهداية في خارطة معقدة التضاريس.
كان الأنبياء يتقدمون ركب الراشدين في الأرض يقودون بني البشر إلى ضاحية مأمونة النجاة بعيدا عن مرابض العمى والتيه. فقدمت سيرة خليل الله إبراهيم عليه السلام خلاصة مركزة لهذه العطية (ولقد آتينا إبراهيم رشده) ورشده تمثل في حالة إبصار التوحيد، وإعلان ربوبية الله على الكون، (الذي خلقني فهو يهدين)، وبكماله تستكمل أدوات الرشد وآلته.
وكان موسى عليه السلام ثالث الخمسة الأوائل في تاريخ البشرية في رحلة علمية يبحث عن منابت الرشد بوصفه خلاصة ما تصل إليه أبحاث العلم، فاشترط على أستاذه (على أن تعلمني مما علمت رشدا).
ومقابل حرمان كسب الرشد الجريان في أودية الغي وتدفق أسبابه، في صور من التخبط وضبابية الرؤية، وسفه الرأي، وغياب الحكمة، وعمى النتائج والمآلات.
وبسبب الغفلة وخفوت لغة الصدق يكون التخبط نتيجة حتمية عند مثول مؤشرات الرشد فيرفضها المعنيون، (وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا، وإن يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلا، ذلك بأنهم كذبوا بآيات الله وكانوا عنها غافلين)
كان نزول القرآن مرحلة فاصله في تاريخ أمة تائهة الأهداف، غائبة عن مسالك الرشد أحسن جعفر بن أبي طالب في وصف سيرتها الذاتية أمام النجاشي، فأكمل القرآن وعيها ورد لها عقلها وأوقفها على خط السير البشري تهتبل البصيرة وتتغذى على النور، ولم تتردد الجن في أولى لحظات سماعهم له أن تقول: (يهدي إلى الرشد).
إن الدعاء مسبوقا بحالتي الاستجابة والإيمان ثلاثية مهمة في استجلاب الرشد وحسن تلقيه (أجيب دعوة الداع إذ دعان، فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون).