العمل السياسي أو التعدد السياسي حينما يكون المراد منه تحقيق المصالح العليا، والإسهام في توجيه بوصلة العمل الحكومي وبناء منظومة سياسية تقوم على حفظ الثوابت الوطنية والدينية وفق مرجعية المبادئ والأحكام العامة للبلاد، وفي مقدمة ذلك الشريعة الإسلامية، وتقوم على التنافس الشريف في تقديم الخدمات العامة للمواطنين، فلا نزاع في ضرورة مثل هذا النشاط؛ لأنه والحالة هذه يبني ولا يهدم، والعكس صحيح إذا تحول العمل السياسي إلى الإضرار بالمصالح الوطنية العليا، وتجرد من الثوابت العامة وقيم وهوية المجتمع، فقد مشروعيته.
وهنا نتوقف حول تعامل الحوثي مع القوى السياسية في اليمن قبل الانقلاب وبعده.
أولاً: تعامل الحوثيين مع القوى السياسية قبل الانقلاب
كان للحوثيين قبل اجتياح العاصمة صنعاء في سبتمبر 2014م سياسة براغماتية - تقية - وخطاب ناعم، متدثرين بالمظلومية وبالشعارات المدنية والوطنية لتسويق أنفسهم سياسياً واجتماعياً، ولتنويم القوى السياسية قبل الانقضاض عليها لاحقاً.
وفي الحروب الستة قدموا أنفسهم كضحايا للاستبداد والظلم، وانطلى هذا على كثير من القوى السياسية، وتقارب معهم يومها أحزاب المعارضة - اللقاء المشترك - وبنوا معهم قواسم مشتركة ضد السلطة، ولما جاء ما يسمى بثورة 2011م انضم الحوثيون إلى ساحة التغيير ورفعوا شعارات مدنية وأخفوا شعاراتهم الطائفية.
ثم جاءت فترة الحوار الوطني 2013م، فانخرطوا في الحوار وقدموا رؤى سياسية بروح مدنية وحداثية، مؤكدين التزامهم بدولة النظام والقانون والمواطنة المتساوية وحقوق المرأة والكوتا، وتناغموا مع الحراك الجنوبي، وقدموا في الحوار وجوهاً مدنية لإبعاد تهمة الطائفية والمذهبية المسلحة عن أنفسهم، مع أنهم كانوا بالتزامن مع الحوار متمسكين بالسلاح ويحاصرون دماج ويسقطون المناطق واحدة تلو الأخرى، فكانوا يجمعون بين خشونة العمل على الواقع ونعومة الخطاب أمام السفراء الأجانب والأحزاب السياسية - وبخاصة - اليسارية والقومية والمؤتمر الشعبي العام، لتحييدهم مقابل مهاجمة حزب الإصلاح وبيت الأحمر، لإقناع الآخرين بأنهم غير مستهدفين وبأن المعركة ليست ضدهم، وانطلى هذا الخداع على كثير منهم، حتى تقارب كثير من القوى السياسية معهم، وظنوا أن مجاميع كهوف مران ستخلصهم من خصومهم التقليديين وتساعدهم في قيام دولة حديثة يسودها النظام والقانون والمواطنة المتساوية! بعيداً عن ما يسمونه القوى التقليدية!
وعلى المستوى الشعبي قام الحوثيون بدغدغة مشاعر الشعب، فتكلموا عن الفساد وعن ضرورة قيام حركة إنقاذ وطني، وهاجموا حكومة الوفاق يومها، واجتاحوا العاصمة صنعاء تحت ذريعة الجرعة والغلاء، وفي الوقت نفسه كانوا يتمددون عسكرياً.
ثانياً: تعامل الحوثيين بعد اجتياح صنعاء 2014م
بعد أن اجتاح الحوثيون صنعاء غيروا تعاملهم وخطابهم مع القوى السياسية عموماً وفقاً لمسارات متعددة، من بينها:
1- الشيطنة والإقصاء
قام الحوثيون بعد الاجتياح بمسار شيطنة القوى السياسية وتشويهها وتخوينها وتكفيرها، ووسم كل من يخالفهم بالعمالة والخيانة حتى يبرروا قمعهم وإقصاءهم.
2- تأجيج الصراعات والانقسامات
ولكي يضعفوا الجبهة السياسية المناهضة لهم قاموا بزراعة الفتن وإذكاء الصراعات بين مختلف القوى والأحزاب السياسية.
3- تعطيل العمل السياسي
وقام الحوثيون بحظر مختلف الأنشطة السياسية في مناطق نفوذهم، وجمدوا الأحزاب وسلطوا مشرفيهم، ممن لا يعترفون بدستور أو قانون، على منع الأنشطة السياسية.
4- إنشاء كيانات موازية للقوى السياسية
وعمل الحوثيون في مناطق نفوذهم على تفريخ الأحزاب والقوى السياسية، واستنسخوا واجهات كرتونية موالية لهم باسم تلك الأحزاب لمنح سلطتهم الشرعية وإجهاض القرارات الصادرة من القيادات الرئيسية، وإذا لم يجدوا لأي حزب شخصية بارزة تنساق معهم، ركزوا لهم من الأبواق المتملقة من ينافق لهم باسم هذا الحزب أو ذاك.
5- القمع الأمني
تعاملت مليشيا الحوثي مع القوى السياسية بالقمع الأمني والتصفيات الجسدية والاعتقالات التعسفية، واختطفت المئات من القيادات والنشطاء السياسيين في السجون، ومارست بحقهم الإخفاء القسري والتعذيب الجسدي والنفسي.
6- الغدر بالحلفاء
تحالفت مليشيا الحوثي مع بعض القوى السياسية كالمؤتمر تحالفاً تكتيكياً ومرحلياً، وبمجرد انتهاء مصلحتهم غدروا بهم وانقلبوا عليهم وصفوهم جسدياً، كما فعلوا بالرئيس الأسبق، رئيس المؤتمر الشعبي، علي عبد الله صالح، ورفيقه الأمين العام المساعد عارف الزوكا.
7- تحويل المختطفين إلى أسرى
قامت مليشيا الحوثي بتحويل المختطفين من السياسيين إلى ملف للأسرى، وجعلتهم ورقة للمساومة والابتزاز والمقايضة السياسية.
8- الإقامة الجبرية
وهناك عدد من القيادات السياسية فرض الحوثيون عليهم الإقامة الجبرية والرقابة المشددة، من الذين بقوا في مناطق نفوذهم وسيطرتهم، ومنعوهم من أي نشاط، وأنشأوا أجهزة أمنية موازية عقائدية تقوم بمتابعتهم وبقمع أي نشاط سياسي.
9- النهب المالي وتدمير الممتلكات
وقام الحوثيون بمصادرة ونهب ممتلكات كثير من المقرات الحزبية والسياسية، ونهبوا أموالها، واقتحموا منازل العديد من السياسيين وصادروا ممتلكاتهم تحت مسمى جهاز غير قانوني (الحارس القضائي).
10- تفجير المنازل
وقام الحوثيون بتفجير منازل عدد من السياسيين بغية إخضاعهم وجعلهم أداة للابتزاز والخضوع، ومن أجل التهجير القسري.
11- التطييف العقدي
فرض الحوثيون التطييف العقائدي على جميع مؤسسات الدولة، وألزموا السياسيين في الوظيفة العامة حضور دوراتهم التي يسمونها الثقافية لتغيير قناعاتهم الفكرية، وليتحولوا من أفكارهم السياسية إلى حوثيين موالين لهم، واخترعوا لذلك مسمى الهوية الإيمانية بدل الهوية الوطنية، ومقصودهم بذلك الولاء لسلالتهم ولعبد الملك الحوثي مقابل النظام الجمهوري والتعددية السياسية.
12- الاغتيال المعنوي
ومن أساليبهم الدنيئة سلوكهم مع بعض خصومهم السياسيين بما يسمى الاغتيال المعنوي، وذلك بتشويه سمعتهم الشخصية وأمانتهم وأخلاقهم، وتلفيق التهم لهم عبر وسائل إعلامهم، ولإسقاط رمزيتهم ومكانتهم الاجتماعية.
13- المحاكمات الغيابية
عمد الحوثيون إلى افتعال محاكمات غيابية للسياسيين، واستخدموا القضاء الحوثي لتصفية الحسابات السياسية، فأصدروا عبر محاكمهم أحكاماً بالإعدام ضد المئات من القيادات السياسية بحجة الخيانة العظمى، ومنهم سياسيون برلمانيون.
ومن بقي في صنعاء من البرلمانيين استخدموهم تحت التهديد لتمرير تشريعات تسوغ لهم النهب ومصادرة الأموال العامة والخاصة، وتخوين المعارضين لهم وإلغاء القوانين التي تحمي التعددية السياسية وتكميم الأفواه ومحاربة الصحافة السياسية ومنع المواقع والقنوات التابعة للأحزاب، وتم اعتقال المئات من الصحافيين والكتاب.
14- نقض كل الاتفاقيات
نقض الحوثيون كل الاتفاقيات المبرمة مع القوى السياسية كمخرجات الحوار الوطني واتفاق السلم والشراكة، وأفشلوا كل مشاورات السلام في جنيف وسويسرا والكويت وغيرها، خوفاً من عودة القوى السياسية إلى مبادئ الشراكة السياسية في الحكم، وربطوا القرار السياسي بالمشروع الإيراني.
الخاتمة
جميع ما سبق كافٍ لمعرفة نهج هذه المليشيات العدوانية وخطورتها على مستقبل الشعب اليمني، دينياً وسياسياً واقتصادياً واجتماعياً وتنموياً، وذلك كله يتطلب وقوف جميع القوى السياسية والاجتماعية بمختلف توجهاتها ومشاربها لحماية دينهم ووطنهم وحرياتهم.
وبما أن هذه الفئة المتمردة والخارجة على الشرع والدستور والدولة قد اعتدت على الشعب اليمني بجميع مكوناته، ساعية إلى فرض مشروعها العنصري السلالي المتخادم مع المشروع الإيراني التوسعي في المنطقة، مضيفة إلى عدوانها على الشعب اليمني عدوانها على جيران اليمن وأشقائه في المملكة العربية السعودية، بما في ذلك منطقتا مكة والمدينة، فالمتعين هو قيام الشعب بكل مكوناته لمواجهة هذه الفئة الضالة المنحرفة وفقاً لدعوة رئيس مجلس القيادة الرئاسي إلى التعبئة العامة والنفير العام وإسناد ودعم الجيش والتشكيلات العسكرية، حتى تعود الدولة وتبسط نفوذها على كامل التراب اليمني، فلن ينعم الشعب اليمني بالأمن والأمان ولا جيرانه حتى يتم التخلص من سطوتها.
{ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ }