من نهب الأراضي والمنازل وتهجير المستأجرين إلى تمليك العقارات لقيادات نافذة، حوّلت ميليشيا الحوثي قطاع الأوقاف إلى أداة للجباية والاستحواذ والإثراء غير المشروع وترسيخ النفوذ.
أواخر عام 2024، أقدم مواطن يدعى عبدالغني الرازحي على إحراق نفسه في ميدان السبعين بصنعاء، احتجاجاً على نهب الحوثيين أرضه بحجة تبعيتها للأوقاف.
تزامنت الواقعة مع تصاعد شكاوى مواطنين في عدّة محافظات من تعرضهم للتهديد والابتزاز ونهب ممتلكاتهم بذات الذريعة، في ممارسات طالت أراضي الدولة والقطاع الخاص.
هيئة جباية ونهب
في يناير 2021، ألغت الميليشيا وزارة الأوقاف وحولتها إلى وزارة الإرشاد وشؤون الحج والعمرة، وأنشأت الهيئة العامة للأوقاف، وربطتها بمجلسها السياسي الأعلى، وعيّنت عبدالمجيد الحوثي، ابن عم زعيمها، رئيساً لها.
وعبر الهيئة، استحوذت على أصول الأوقاف وأراضي الدولة، وسخّرتها لتمويل حروبها وإثراء قياداتها.
منحت الهيئة صفة «الضبطية القضائية» لانتزاع الأموال بالقوة، ووجهت المؤسسات الحكومية بتسليم الأصول والوثائق والعقود المتعلقة بالأوقاف إليها، وتسديد الالتزامات المالية.
وفي يونيو 2023، هاجم زعيم الميليشيا عبدالملك الحوثي المؤسسات التي لم تسليم ما لديها من أصول ومباني وعقارات وأموال للأوقاف، وقال إن الهيئة ستقوم باستثمار ما تستعيده منها.
كما ألزمت جامعة صنعاء بتسليم مبانيها في الجهة الشمالية للهيئة، وكذا تسليم 10 آلاف لبنة من أراضيها لتاجر حوثي، لإقامة مشروع استثماري دون تعويضات أو حصة من العائدات، وفق وثائق نشرها «يمن شباب نت».
إتاوات وابتزاز
رافق عمليات السطو زيادات غير قانونية في الرسوم والإيجارات، مما ضغط على المواطنين ودفعهم للتخلي عن ممتلكاتهم.
وقال المواطن أحمد الحملي إنه اشترى أرضاً وقفية في صنعاء بستة ملايين ريال، وكانت الرسوم المقدرة عليه 10% من قيمتها، بنحو 1200 دولار، لكنه فوجئ عند مراجعته مكتب الأوقاف برفعها إلى 6 آلاف دولار، ما يعادل نصف قيمة الأرض. ونقلت «إيران وير» عنه أن موظفاً أبلغه بأن الزيادة تنفيذًا لتعليمات عبدالملك الحوثي، وخيّره بين دفع المبلغ أو شراء الأرض منه.
وأقر الحوثيون رفع رسوم الأوقاف إلى 25% من قيمة الأراضي الموقوفة وفق أسعارها الزمنية.
وفي عام 2019، فرض مكتب أوقاف الأمانة مبالغ تحت مسمى متابعة وتحصيل رسوم الوقف. وقال مواطن إن المكتب طالبه بدفع 200 ألف ريال، بعدما كان يدفع سابقًا 5 آلاف ريال سنوياً.
وفي صنعاء، رفعت الجماعة إيجارات عقارات الأوقاف بنسبة 200%، ووصلت في بعض الحالات 500% وفق شكاوى مواطنين، مع تهديدات بمصادرة العقارات إذا رفضوا الدفع.
وشملت الإتاوات المحال التجارية، حيث طالبت لجان حوثية المستأجرين بزيادات في الإيجار وبإجراء ترميمات وإصلاحات مكلفة وغير ضرورية، موضحين أن هدفها التضييق عليهم ودفعهم للتنازل عن محلات يستأجرها بعضهم منذ عشرات السنين، ومنحها لموالين للجماعة.
سطو مسلح
وصلت حملات الابتزاز والنهب إلى المنازل، إذ وثقت تقارير صحفية حصار الحوثيين لمنازل مواطنين في صنعاء، بعضهم يستأجرونها منذ أكثر من 20 عاماً، وإخراجهم منها بالقوة.
وشهدت محافظة إب عمليات تهجير لسكان من منازل ومحال تجارية، بالتزامن مع الاستيلاء على مئات الأراضي والمنازل والمباني التجارية، وتأجير بعضها لقيادات وبيع أخرى لنافذين.
وامتدت هذه الممارسات إلى عمران والمحويت وذمار ومحافظات أخرى، حيث استولت قيادات حوثية على أراض وقفية ومقابر وممتلكات عامة وخاصة.
ووثق مكتب حقوق الإنسان بأمانة العاصمة 85 حالة سطو على أراضي الأوقاف بين يناير 2017 ونوفمبر 2019.
وشهدت مناطق همدان وبني حشيش وبني الحارث وعصر بصنعاء محاولات سطو واسعة، بلغت حد الاشتباك المسلح مع الأهالي. وفي سبتمبر 2022، سور الحوثيون أكثر من ألف لبنة من الأراضي الزراعية المملوكة لمواطنين في قرى القراميش وبيت المعقلي وبني جهلان وعجام وبيت عبيد بمنطقة بني مطر غربي صنعاء، وواجهوا الأهالي الرافضين لمصادرة أراضيهم بالسلاح.
وفي سبتمبر 2025، كشفت وثائق نشرها «يمن ديلي نيوز» عن سطو قيادات حوثية على أرض وقف خيري تابعة للمدرسة العلمية في منطقة الحيمة بوادي ظهر، مساحتها 300 لبنة عشاري، وتقدر قيمتها بنحو 1.5 مليار ريال.
وبيّنت الوثائق ضلوع يحيى علي عايض، المعين عضواً في مجلس الشورى، والشيخ اللاكمي والشيخ فهد عطية وعاطف المصلي في الاستيلاء على الأرض والتصرف بها، مؤكدة تسويرها وتحويلها إلى ملكية خاصة، بالتنسيق مع محافظ صنعاء عبدالباسط الهادي ومشرف المنطقة أبو زكريا الفصيح، وتحت غطاء أمني.
ولم تتوقف هذه العمليات، حيث شهدت مناطق بني حوات شمال صنعاء، في فبراير 2026، محاولات سطو على أراض بذريعة تبعيتها للأوقاف.
تنافس
كشفت منظمة «سام» للحقوق والحريات عن تصاعد التنافس بين القيادات الحوثية على الأراضي والعقارات منذ 2014، مضيفة أن القيادي محمد الحوثي تولى قيادة نهب الأراضي وإعادة تمليكها، بحجة تبعيتها للأوقاف أو ملكيتها للدولة، ما هدد آلاف المدنيين بالتهجير.
وفي تقرير مصغر صدر في مايو 2022، قالت «سام» إن ميليشيا الحوثي كثفت سيطرتها على سوق العقارات، وسهلت لقادتها نهب أراضي الدولة والأوقاف وممتلكات المواطنين، مؤكدة تلقيها عشرات الشكاوى بشأن انتزاع الملكيات ومنع المواطنين من البناء.
ورصدت توسع عمليات تجريف ونهب وشراء ما تبقى من أراض وعقارات الدولة والمواطنين في صنعاء ومدن أخرى، وإجبار ملاك المنازل على دفع مبالغ باهظة تحت مسميات وذرائع مختلفة.
في سبتمبر 2022، كشفت «سام» عن انتهاكات حوثية جسيمة لحقوق الملكية في الحديدة. وقالت إن الميليشيا أنذرت سكان بعض قرى مديرية بيت الفقيه بمغادرة منازلهم ومزارعهم، بذريعة تبعية الأراضي للمؤسسة الاقتصادية والأوقاف، وأنها أبرمت عقود إيجار لأشخاص من صعدة وحجة ونافذين من تهامة.
ووصف أحد شهود العيان ما يحدث بأنه حملة تهجير لأهالي أربع قرى تمتد من عُزلة القصرة حتى منطقة الجروبة بالمديرية، موضحًا أنها من أخصب الأراضي الزراعية في الحديدة.
وبحسب المنظمة، تعود محاولات النهب في الحديدة إلى عام 2014 حين سعت الميليشيا للسطو على نحو 90 كم في منطقة التربة الساحلية التابعة لمديرية باجل على ساحل البحر الأحمر، وبعد فشلها، عادت بعد سنوات، مستخدمة الترهيب والتخويف لبسط سيطرتها على مناطق وقرى.
تمليك نافذين
توسعت عمليات النهب إلى تمليك أراض وعقارات لقيادات في الجماعة ومقربين منها. ففي صنعاء، قامت بتمليك أكثر من 50 ألف متر مربع من أراضي وعقارات الدولة التابعة للأوقاف لقياداتها في مواقع حيوية.
كما كشفت تقارير صحفية عن بيع القيادي الحوثي فؤاد ناجي، نائب وزير الأوقاف، أرضًا وقفية مساحتها 75 لبنة في حي مذبح بـ225 مليون ريال، بذريعة تمليكها لأسر قتلى الجماعة، بعد استيلائه على أرض مواطن في الحي السياسي.
وفي عمران، شملت عمليات التمليك أراض في مواقع مهمة، بينها محيط اللواء 310 مدرع، فيما نقلت ملكية عشرات الأراضي الوقفية في المحويت إلى مشرفين حوثيين.
فساد ونهب
شهدت قطاع الأوقاف صراعات بين القيادات الحوثية على نهب الأراضي والأموال تصدرت حديث وسائل الإعلام. ومنها تبادل الاتهامات بين وكيل الوزارة عبدالوهاب محمد المهدي والقيادي صالح ربيد بشأن البسط على أراض وقفية، واتُّهم الأخير بالسطو على مساحة واسعة شرق صنعاء، وإقامة مبنى عليها وتسويرها، قبل بيع أجزاء منها لتجار ومواطنين بمبالغ باهظة.
وفي أكتوبر 2018، كشف فؤاد ناجي، في وثيقة استقالته من وزارة الأوقاف، عن اختلالات إدارية ومالية واسعة وعمليات نهب لأموال الأوقاف وأراضي الدولة، متهماً الوزير الحوثي بالاستحواذ على ختم الوزارة وبيع الممتلكات وتوزيعها على قيادات نافذة من منزله.
وسبق ذلك بشهرين، إحراق أرشيف وزارة الأوقاف بصنعاء، في واقعة اتهمت الحكومة الشرعية الحوثيين بالوقوف وراءها، لتسهيل عمليات نهب الأراضي والممتلكات.
موارد ضخمة
تكشف الإحصائيات عن موارد ضخمة تجنيها الميليشيا الحوثية. فقد بلغت إيرادات فرع أوقاف الأمانة عام 2019 ثلاثة مليارات و568 مليوناً و653 ألفاً و859 ريالاً، بزيادة مليار و531 مليوناً و423 ألفاً و319 ريالاً عن العام السابق، وفق كتاب «الجريمة المركبة».
كما وثق الكتاب نهب القيادي عبدالله عامر، مدير مكتب هيئة الأوقاف بالأمانة، نحو 1670 لبنة بين منتصف 2019 ويونيو 2021، شملت أراضي مواطنين وتجار وأراضي دولة وأوقافاً مؤجرة بعقود قانونية، إضافة إلى أربعة فنادق و23 محلاً تجاريًا وسبعة أبراج ومبان للأعمال.
وخلال الفترة ذاتها، أبرم عامر 663 عقد إيجار لأراض ومرافق، بينها منشآت حكومية، بمساحة تجاوزت 5.2 مليون لبنة عشاري، وبلغت عائداتها أكثر من 2.4 مليار ريال.
وبلغت إيرادات مكتب أوقاف صنعاء عام 2020 قرابة 3 مليار ريال، وفقاً لما نقله «إيران وير».
ووثق فريق خبراء مجلس الأمن المعني باليمن توسع نشاط الهيئة في الاستيلاء على الأراضي بمحافظة الحديدة، مؤكدًا سطوها في عملية واحدة على أراض تتجاوز قيمتها 12 مليون دولار.
تحشيد وتغيير ديموغرافي
وكشف كتاب «الجريمة المركبة» عن توزيع ميليشيا الحوثية أراض وقفية على شخصيات سياسية وعسكرية واجتماعية لتأييدها إعلامياً أو حشد المقاتلين لها، وكذا تخصيص مساحات لمشاريع تجارية ومجمعات ومولات مملوكة لقيادات نافذة، وتحويل أخرى إلى مقابر ومعسكرات تدريب.
كما أكد استخدام أموال الأوقاف في تمويل الفعاليات الطائفية، وابتزاز المستأجرين وحشدهم إلى الجبهات، إضافة إلى توظيف العقارات في تغيير التركيبة السكانية على أسس سلالية وطائفية.