لم تشهد اليمن منذ دخول الإسلام إليها استهدافًا للمساجد أو الاعتداء على المصلين كسلوك ممنهج، إلا مع ظهور ميليشيا الحوثي، التي تصف نفسها بـ«المسيرة القرآنية».

فمنذ تمردها على الدولة، دأبت الجماعة على استباحة دور العبادة بالقصف والتفجير والاقتحام والإغلاق، وتحويل بعضها إلى ثكنات عسكرية ومخازن للأسلحة ومراكز للتعبئة الطائفية.

وطالت الانتهاكات الأئمة والخطباء ومراكز تحفيظ القرآن، ضمن مساعيها لفرض خطاب طائفي يخدم مشروعها ويقصي المخالفين.

وتعددت صور هذه الانتهاكات بين التدمير المباشر بالقصف الصاروخي والعبوات الناسفة، وانتهاك حرمة المساجد باستغلالها لأغراض عسكرية وتحويلها إلى مجالس للمقاتلين وساحات للتحشيد والتجنيد.

وتؤكد الوقائع الموثقة مؤخرًا في تعز وعمران وصنعاء خلال شهر أكتوبر الجاري تصاعد هذا النهج، بالتزامن مع التصعيد الميداني في تعز والحديدة للشهر الثاني على التوالي.

انتهاكات متصاعدة

في 20 أكتوبر 2026، اقتحمت ميليشيا الحوثي مركز أم المؤمنين خديجة لتحفيظ القرآن الكريم داخل مسجد النور بمديرية موزع، غربي تعز، وحولته إلى استراحة.

وسبق ذلك تحويل عدد من مساجد مديريات ساحل تعز، وفق مصادر محلية، إلى مجالس لمضغ القات، فيما اتخذت مساجد أخرى مواقع للتمركز وثكنات عسكرية ومخازن للأسلحة.

وفي أرياف تعز، وثقت الشبكة اليمنية للحقوق والحريات في تقريرها «تعز.. الاجتياح الدامي والقتل الممنهج»، تضرر خمسة مساجد جراء القصف، ومداهمة مساجد وتغيير 21 خطيباً وإماماً، خلال الفترة من 1 سبتمبر حتى 22 أكتوبر 2026.

مسيرة تفجير المساجد

تعود أولى وقائع الاعتداءات البارزة إلى عام 2013، حين حاصرت الجماعة منطقة «دماج» بمحافظة صعدة لأكثر من ثلاثة أشهر، وقصفت المنازل والمرافق بالأسلحة الثقيلة، وفي مقدمتها مسجد مركز «دار الحديث»، أثناء وجود الطلاب والمصلين بداخله. 

وانتهى الحصار بتهجير نحو 15 ألف طالب، أعقبه اقتحام الجماعة للمنطقة وتفجر المسجد.

ومنذ ذلك الحين، أصبحت جرائم قصف المساجد ومراكز تعليم القرآن ثم تفجيرها سلوكًا ممتدًا في كل الحروب التوسعية للجماعة، خصوصًا في المناطق التي تبدي مقاومة لسيطرتها، في حين تحول مساجد أخرى إلى ثكنات عسكرية ومخازن أسلحة ومجالس لمقاتليها.

وفي هذا السياق، كشفت هيئة علماء اليمن، في رسالة مفتوحة وجهتها إلى شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب خلال أكتوبر الجاري، عن ضلوع الحوثيين في ارتكاب 4,900 انتهاك موثق بحق المساجد، وتحويل أكثر من 400 مسجد إلى ثكنات عسكرية، إضافة إلى قتل 277 إمامًا وخطيبًا.

تحشيد وتكفير

وفي المناطق الخاضعة لسيطرتها، فرضت الجماعة خطباء موالين لها، وألزمت المساجد بمنهجية التعبئة الطائفية والتحشيد للحرب، ما دفع المواطنين إلى العزوف عن ارتيادها.

ففي 3 أكتوبر، غادر مواطنون أحد مساجد صنعاء فور صعود عنصر حوثي إلى المنبر لإلقاء خطبة الجمعة، وفق مصادر محلية، قالت إن الخطبة تحولت إلى منصة للتحشيد وتكفير اليمنيين وسب الصحابة وشتمهم.

 

في 23 أكتوبر، تداول نشطاء مقطعًا مصورًا يظهر مشرفاً حوثياً يقف عند باب مسجد في صنعاء عقب صلاة الجمعة، حاملاً كشوفات لتسجيل مجندين وإرسالهم إلى جبهات القتال.

منع الصلاة واختطاف المصلين

وفي مديرية حوث بمحافظة عمران، أغلقت الميليشيا الحوثية، في 10 أكتوبر، مسجد الحاج على جرش، ومنعت إقامة صلاة الجمعة فيه للجمعة الثانية على التوالي.

وأفادت مصادر محلية بأن عبدالمجيد الشرعي، المعيّن من الجماعة مديراً لمكتب الأوقاف في المديرية، أغلق المسجد وألزم المصلين بالتوجه إلى مسجد آخر تسيطر عليه الجماعة، لكن الأهالي رفضوا ذلك وأدوا صلاة الجمعة في الشارع المجاور للمسجد تحت أشعة الشمس.

وفي عمران أيضاً، اختطفت الجماعة، في 17 أكتوبر، الداعية السلفي ميثاق خالد المسمري، عقب خروجه من صلاة الفجر في المسجد الذي يخطب فيه بقرية المسمر التابعة لمديرية خمر.

وقالت مصادر محلية إن عناصر حوثية ملثمة اعترضت المسمري بسيارة كانت متوقفة أمام المسجد، واقتادته إلى جهة مجهولة بعد أن أَمّ المصلين في صلاة الفجر.

استهداف ممنهج

وحول تصاعد هذه الانتهاكات، قال وكيل وزارة الأوقاف والإرشاد لقطاع الإرشاد، الدكتور عبدالناصر الخطري، إن ما تتعرض له المساجد من قصف واقتحام وإغلاق وفرض للخطباء واعتداء على الأئمة والمصلين «ليس حوادث متفرقة، بل جزء من سياسة ممنهجة تستهدف هوية المجتمع ووعيه».

وأوضح الخطري، في تصريح خاص لـ«المنبر الإعلامي لعلماء اليمن»، أن المساجد تأتي على رأس المرافق المستهدفة، لأنها «ليست أماكن للصلاة فقط، بل منابر للتوجيه ومراكز لتعليم القرآن وحواضن للقيم التي تحمي المجتمع من التضليل والتعبئة الطائفية».

وأضاف أن الجماعة تدرك أن السيطرة بالقوة وحدها لا تكفي لاستمرار مشروعها، ولذلك «تسعى إلى السيطرة على وعي الناس ودينهم ومنابرهم، وتحويل المسجد من منبر جامع لليمنيين إلى وسيلة للتعبئة الطائفية وتمجيد قياداتها وتبرير حروبها وجباياتها».

وأشار إلى أن الجماعة «ترى في الخطيب المستقل وحافظ القرآن والمعلم الذي لا يخضع لفكرها عقبة أمام مشروعها، ولهذا تستبعد الخطباء وتختطف بعضهم، وتفرض عناصر موالية لها، وتغلق مراكز القرآن المستقلة أو تستولي عليها».

ولفت الخطري إلى أن الجماعة تنظر إلى المسجد كمساحة نفوذ ينبغي إخضاعه، لا بيتاً لله يتمتع بالحرمة والاستقلال، مضيفًا أن من يقرأ أدبيات الجماعة يجد أنها تصف مساجد مخالفيها بأنها «مساجد ضرار»، بما يوفر مسوغاً لاقتحامها وهدمها وتفجيرها والعبث بها وانتهاك حرمتها.

وأكد أن الاعتداء على المساجد لا يمثل تجاوزاً فردياً، بل «ممارسة مرتبطة بطبيعة مشروعها السياسي والسلالي، الذي يسعى إلى احتكار الخطاب الديني وإقصاء المخالفين وتغيير هوية المساجد والمناهج والمناسبات الدينية».

تداعيات اجتماعية

ويتجاوز خطر هذه الانتهاكات حرمان المصلين من أداء شعائرهم بأمان، ليمتد أثرها المباشر إلى تمزيق النسيج الاجتماعي وتهديد السلم الأهلي، مع السعي الحثيث لفرض الفكر الطائفي الغريب عن المجتمع وهويته الوطنية.

وحذر الخطري من أن هذه الانتهاكات «تترك آثاراً خطيرة تتجاوز حدود المسجد، فهي تزرع الانقسام بين أبناء الحي الواحد، وتحول المنبر الذي يجمع الناس إلى أداة للفرز والتحريض، وتدفع كثيراً من المصلين إلى هجر بعض المساجد خوفاً أو رفضاً للخطاب المفروض».

وأضاف أن هذه الممارسات «تنشئ جيلاً على التعصب للسلالة والجماعة، بدلاً من الانتماء للدين والوطن، وتستبدل ثقافة التعايش والوسطية بثقافة الاصطفاء والكراهية والعنف، وهذا كله يهدد السلم الاجتماعي ويعمق آثار الحرب حتى بعد توقف القتال».

استهداف الحرمين

وتعدت الاعتداءات الحوثية حدود الداخل اليمني لتطال المساجد والمقدسات الإسلامية داخل أراضي المملكة العربية السعودية عبر هجمات صاروخية عابرة للحدود.

ففي 24 أكتوبر، اعترضت الدفاعات الجوية صاروخين باليستيين أطلقتهما الميليشيا الحوثية باتجاه منطقتي مكة المكرمة والمدينة المنورة، حيث سقطت شظايا أحدهما في وادي «المغمس»، على بعد 21 كيلومتراً من المسجد الحرام و7 كيلومترات من مشعر عرفات.

وفي 1 أكتوبر، أعلن التحالف عن استهداف الحوثيين لمحطة «طيبة» لتوزيع الكهرباء في المدينة المنورة، ما أدى إلى خروج أحد محولاتها عن الخدمة.

 

وفي 12 سبتمبر، تسبب سقوط مقذوف حوثي في محافظة الطوال بمنطقة جازان بأضرار طالت مئذنة أحد المساجد. وأظهرت مشاهد نشرتها وسائل إعلام سعودية أضرارًا لحقت بالمئذنة، وآثار سقوط المقذوف داخل المسجد وتضرر مصحف.

وقبلها بيومين، استهدفت الجماعة بقصف صاروخي معتمرين في مطار الرياض الدولي بالرياض أثناء استعدادهم للصعود إلى الطائرة، ما أسفر عن سقوط عدد منهم بين شهيد وجريح، في جريمة أثارت موجة إدانات دولية واسعة.

مسؤولية ومحاسبة

ودعا الخطري المنظمات الحقوقية والهيئات المعنية بحماية دور العبادة إلى توثيق هذه الجرائم وحفظ أدلتها حتى يحين وقت محاسبة مرتكبيها، داعيًا العلماء والخطباء وأبناء المجتمع إلى حماية رسالة المسجد الجامعة، ورفض تحويله إلى منبر للتحريض والتعبئة الطائفية.

وأكد الوكيل الخطري أن «تحرير المساجد من الهيمنة الطائفية واستعادة استقلال منابرها جزءاً أصيلًا من استعادة الدولة وحماية هوية اليمن ونسيجه الاجتماعي. فالمساجد التي جمعت اليمنيين قروناً يجب أن تبقى بيوتاً لله لا مقار لجماعة ولا أبواقاً لمشروع سياسي أو سلالي».