أدانت هيئة علماء اليمن واستنكرت بشدة محاولة مليشيات الحوثي الإرهابية، المدعومة من النظام الإيراني، استهداف مكة المكرمة، البلد الحرام وقبلة المسلمين، في ثاني هجوم من نوعه تُقدم عليه هذه المليشيات ضد الأراضي المقدسة.
وأكدت هيئة علماء اليمن، في بيان صادر عنها ونشرته وكالة الأنباء الرسمية سبأ، أن هذا الاستهداف الآثم ليس حادثًا معزولًا عن جذوره العقدية، بل هو امتداد لنهج الحركات الباطنية عبر التاريخ في معاداة المشاعر المقدسة والتعرض لها بالانتهاك، من استباحة القرامطة للبيت الحرام قديمًا، إلى ما شهدته مكة المكرمة من أحداث دامية ارتبطت بالنظام الإيراني، الداعم لمليشيا الحوثي، بعد قيام الثورة الخمينية.
وأوضح البيان أنه في عام 1407هـ وقعت أحداث الشغب المعروفة في مكة، وما رافقها من مواجهات وسقوط أعداد كبيرة من القتلى والجرحى، ثم تلتها أحداث عام 1409هـ حين وقعت تفجيرات في محيط المسجد الحرام، وأعلنت المملكة العربية السعودية يومها تورط جماعة إرهابية مرتبطة بحزب الله، المدعوم من النظام الإيراني، بالوقوف وراءها.
وترى الهيئة أن ما تمارسه المليشيات الحوثية اليوم يمثل امتدادًا لذات المسار المستخف بحرمات المسلمين ومقدساتهم، وانتهاكًا للحرمات تحت شعارات زائفة، مؤكدةً أن محاولة استهداف مكة المكرمة والمشاعر المقدسة جريمة محرَّمة شرعًا تحريمًا قاطعًا، يأثم فاعلها والراضي بها والساكت عن إنكارها وهو قادر على البيان.
وقال البيان: «إن هيئة علماء اليمن، إذ تدين هذا العدوان الحوثي الآثم على بلاد الحرمين الشريفين، لتعلن ثقتها التامة بقدرة المملكة العربية السعودية الشقيقة على حماية الحرمين الشريفين، وصون أمن الحجاج والمعتمرين وقاصدي بيت الله الحرام، والتصدي لكل محاولات العدوان والإرهاب الحوثي الغادر، مهما تكررت»، مشيدةً بيقظة الدفاعات السعودية التي أحبطت هذا الاستهداف الآثم، ومؤكدةً أن هذه المليشيات لن تنال من عزم المملكة على حراسة المقدسات وخدمة قاصديها، بإذن الله.
وأشادت الهيئة بمواقف العلماء الذين بادروا إلى إعلان موقفهم الشرعي الواضح في إدانة هذا الاعتداء دون تردد، وفاءً بأمانة العلم، معربةً عن استغرابها واستنكارها الشديد لما صدر عن بعض المنتسبين إلى العلم والدعوة من مواقف ضبابية أو متماهية مع خطاب المليشيا الحوثية، وهو ما لا يليق بأمانة العلم، ويُخشى معه كتمان الحق.
وأضاف البيان: «تخص هيئة علماء اليمن بالذكر ما صدر عن الشيخين الصادق الغرياني، مفتي ليبيا، والشيخ أحمد الخليلي، مفتي سلطنة عُمان، وما تضمنه تصريح الأول من مباركة لتمكين الحوثيين وإيران من مضيق باب المندب بدعوى نصرة فلسطين ومواجهة الاحتلال الإسرائيلي، وتصريح الثاني، مفتي عُمان الشيخ الخليلي، الذي تأسف فيه على تصريحات بعض علماء المسلمين في شأن مليشيات الحوثي، وزعم تصديها للاحتلال الإسرائيلي منذ نشأتها، وأنه لا ينبغي الانشغال ببيان جرائمها وعدوانها لأجل مواجهة الاحتلال».
ولفت البيان إلى أن الهيئة تقدّر أهمية قضية فلسطين ووجوب نصرتها على المسلمين باعتبارها قضية عادلة، مؤكدًا أن ما ارتكبته المليشيا الحوثية بحق اليمنيين من قتل وتشريد وتدمير للمساجد واضطهاد للعلماء والدعاة وتجريف لعقيدة أهل السنة ليست قضية جانبية، ولا يجوز إغفالها أو السكوت عنها أو التغاضي عنها بدعوى نصرة فلسطين، منوّهًا بأن رفع شعار المقاومة لا يزكي مشروعًا طائفيًّا إجراميًّا متخادمًا مع مشروع عدواني توسعي مرتبط بولاية الفقيه، له أطماعه المعلومة في اليمن والمنطقة، وبخاصة مقدسات المسلمين والحرمين الشريفين.
ودعت هيئة علماء اليمن الشيخين إلى الاطلاع على واقع اليمن عن كثب، والتواصل مع علمائه، فهم أدرى بنازلة بلدهم، مشددةً على أن الفتوى أمانة، وأن الحكم على الشيء فرع عن تصوره، وأنها ترى في هذا الطرح الصادر عن الشيخين زلةً ظاهرة وخطأً فادحًا في تنزيل الحكم على واقع اليمن، ولا يصح تقليدهما أو متابعتهما على ذلك.
كما نبّهت الهيئة إلى أنه لا يجوز اختزال قضية اليمن في البحر الأحمر ودعاوى نصرة فلسطين، موضحةً أن مشروع الحوثي قائم على القتل والتشريد والدمار وانتهاك حقوق اليمنيين وتفجير المساجد واضطهاد العلماء والدعاة، إلى جانب مشروع عقدي يطعن في الصحابة وينشر الشركيات والبدع والخرافات.
وأكدت الهيئة أن رفع شعار نصرة فلسطين لا يمنح الحوثيين تزكية شرعية، ولا يعني استرخاص دماء اليمنيين وأعراضهم وأموالهم، ولا يبرر تسليم مضيق باب المندب لمليشيات مرتبطة بالمحور الإيراني.
ودعت هيئة علماء اليمن الشيخين الغرياني والخليلي إلى مراجعة موقفيهما، والتواصل مع علماء اليمن والاستماع إلى مآسي شعبه، كما دعت علماء العالم العربي وسائر علماء الأمة إلى بيان الحق وعدم ترك الساحة لفتاوى تبرر الظلم أو تزيد الفتنة تعقيدًا، مؤكدةً حق الشعب اليمني في استعادة دولته ومؤسساته وإنهاء سيطرة المليشيا الحوثية، وسائلةً الله أن يحفظ بيته الحرام من كل سوء، وأن يكفي المسلمين شر كل معتدٍ وضالّ، وأن يلهمنا رشدنا ويهدينا إلى سواء السبيل.
جدير بالذكر أن جرائم المليشيات الحوثية بحق المقدسات لم تقتصر على محاولة استهداف مكة المكرمة، بل امتدت إلى المساجد ودور القرآن داخل اليمن، فقد فجّرت المساجد ودمّرتها، وأغلقت دور تحفيظ القرآن وحلقات العلم، وحوّلت بعض المساجد إلى منابر للتعبئة الطائفية وبثّ خطاب الكراهية، واستبدلت بأئمتها وخطبائها موالين للجماعة، واعتقلت الأئمة والدعاة ونكّلت بهم لمجرد مخالفتهم نهجها. وهو ما يعني أن هذه الجرائم، وما يقترن بها من تهديد متكرر للحرمين الشريفين، تكشف أن الاستهانة بالمقدسات نهج ثابت لدى هذه المليشيات لا سلوك عارض، وأنها تستوجب موقفًا حازمًا من علماء الأمة وسائر الجهات المعنية.