منذ التمدد المسلح لمليشيا الحوثي الإرهابية المدعومة من إيران في صعدة عام 2013، وصولاً إلى سيطرتها على صنعاء عام 2014، تعرضت المساجد في اليمن لعمليات اقتحام وتدمير وتفجير، في نمط من الاستهداف لم تشهده البلاد بهذا الاتساع في تاريخها المعاصر. وامتدت الاعتداءات إلى أئمة المساجد وخطبائها، الذين تعرضوا للاختطاف والقتل والتعذيب والإقصاء.

 

استمرت هذه الممارسات بعد مراحل التوسع العسكري الأولى، واتخذت أشكالاً متعددة في المحافظات والمدن التي فرضت المليشيا الحوثية سيطرتها عليها، من تدمير المساجد وإغلاقها إلى فرض خطباء موالين، واختطاف الأئمة الرافضين لتوجهاتها الفكرية، ومنع بعض الشعائر الدينية. ويشير هذا النمط إلى أن استهداف المساجد ارتبط بسياسة تتجاوز الاعتبارات العسكرية والأمنية، وتتجه نحو إعادة تشكيل المجال الديني والاجتماعي.

 

فلماذا تستهدف جماعة الحوثي مساجد اليمنيين وتدمرها، وتختطف أئمتها وخطباءها؟ وما الذي يجعل هذه المؤسسات الدينية، رغم محدودية إمكاناتها مقارنة بالقوة العسكرية للجماعة، تمثل مصدر قلق لسلطتها؟

 

المساجد معقل الهوية اليمنية

 

لا يمكن فهم استهداف الحوثيين للمساجد بمعزل عن طبيعة المشروع الفكري السلالي والسياسي الإيراني الذي تسعى الجماعة إلى فرضه في اليمن. فالمساجد مؤسسات اجتماعية وثقافية تشكلت حولها أنماط من التدين والعلاقات المحلية، وأسهمت تاريخياً في ترسيخ الهوية الدينية اليمنية، بمذاهبها وتقاليدها المتنوعة الأصيلة. ومن ثم، تمثل السيطرة على المساجد مدخلاً للتأثير في المجتمع، بينما يشكل استقلالها الديني والفكري عائقاً أمام محاولات فرض الخطاب الطائفي للجماعة.

 

تخشى المليشيا الحوثية من المساجد وأئمتها وخطبائها لأنها تمثل مجالاً اجتماعياً قادراً على كشف التناقض بين خطابها وممارساتها. فخطيب يحظى بالاحترام داخل بيئته المحلية، ويمتلك القدرة على مخاطبة الناس بلغتهم الإسلامية والاجتماعية، يستطيع مناقشة قضايا تمس حياتهم اليومية، من الجبايات المالية إلى الانتهاكات، مروراً بتجنيد الشباب والزج بهم في جبهات القتال. كما يستطيع تفكيك التبريرات العقائدية التي تستخدمها الجماعة الطائفية لتسويغ حروبها وممارساتها.

 

وتكمن أهمية هذا الدور في أن الخطاب الديني المحلي لا يحتاج إلى قوة عسكرية أو إمكانات إعلامية ضخمة حتى يؤثر في المجتمع. إذ إن خطبة جمعة واحدة، إذا انطلقت من مرجعية دينية تحظى بثقة المصلين، يمكن أن تفتح نقاشاً واسعاً وتكشف زيف ما تقدمه للناس من شرعية سياسية وطائفية. ولذلك، يتعلق القلق الحوثي بوجود مرجعيات دينية يمنية تحتفظ بقدرتها على توجيه الرأي العام المحلي، وليس بالانتقاد المباشر وحده.

 

ويتصل ذلك مباشرة بحاجات الجماعة العسكرية. فالمساجد، بحكم حضورها الواسع في الأحياء والقرى، توفر فضاءً يمكن استغلاله للتعبئة والتحشيد والتأثير في مواقف الأسر والشباب. وعندما يرفض إمام مسجد استخدام منبره للدعوة إلى القتال أو التحريض على إرسال الأبناء إلى الجبهات، فإنه يحد من قدرة الجماعة على توظيف المساجد في خدمة مشروعها العسكري. وفي المقابل، تسعى الجماعة إلى فرض خطباء موالين وتحويل المنابر إلى أدوات للتعبئة وتبرير الحرب، بما يجعل تغيير الأئمة جزءاً من منظومة أوسع للسيطرة على المجتمع.

 

وتتجاوز المسألة التعبئة العسكرية إلى صراع أعمق حول الهوية الإسلامية. إذ إن الجماعة، التي تستند إلى مرجعية مذهبية وسياسية مستوردة من الفكر الإيراني، تسعى إلى توسيع نفوذ خطابها العقائدي داخل المجتمع. وتمثل المساجد التي تحتفظ باستقلالها في الممارسة والخطاب حصناً اجتماعياً يحول دون احتكار الجماعة للمرجعية الدينية، ويمنع اختزال تدين اليمنيين في تصور مذهبي واحد، عكس ما تحاول فعله مليشيا الحوثي.

 

تاريخياً، كانت المساجد فضاءات لانطلاق المبادرات الاجتماعية ومواجهة الفساد والتعبير عن رفض الظلم والتعسف. وفي مجتمع يمني تتداخل فيه المرجعيات الدينية مع الروابط القبلية والمحلية، يمكن أن يتحول موقف إمام مسجد يحظى بثقة الناس إلى نقطة ارتكاز لمعارضة اجتماعية أوسع ضد الحوثيين، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بالظلم والجبايات والانتهاكات.

 

وتدرك الجماعة أن المساجد قد تتحول إلى فضاءات للتعبير عن الاحتجاج، بالنظر إلى تاريخها في الحياة العامة اليمنية والإسلامية. ولذلك، فإن فرض خطباء موالين ومراقبة المصلين والتدخل في إدارة المساجد يمثل إجراءات حوثية لضبط الخطاب الديني ومنع تشكل أي مساحة اجتماعية مستقلة يمكن أن تنطلق منها احتجاجات أو مواقف معارضة لها، خاصة في صنعاء وإب وذمار والحديدة.

 

اقتحامات وقصف وتفجير

 

تكشف أساليب استهداف المساجد عن انتقال سياسة الجماعة من التضييق على الخطاب الديني إلى الاعتداء المباشر على المؤسسات والمنشآت. فمنذ عام 2012 وحتى عام 2026، اعتمد الحوثيون، وفق تقارير حقوقية، نمطاً متدرجاً من الجرائم شمل الاقتحام والتفجير والقصف والإغلاق، إلى جانب الاستيلاء على المساجد ومراكز تحفيظ القرآن الكريم.

 

وبحسب الشبكة اليمنية للحقوق والحريات، شن الحوثيون خلال هذه الفترة أكثر من 4,896 اعتداءً طالت المساجد ودور القرآن الكريم في 14 محافظة يمنية. وتكشف هذه الأرقام، إذا ما قورنت بطبيعة الاعتداءات وتوزيعها الجغرافي، عن اتساع نطاق الاستهداف وتعدد أدواته، بما يتجاوز حالات المواجهة العسكرية المباشرة.

 

واعتمدت الجماعة في عدد من الحالات على زراعة المتفجرات، بما فيها الديناميت، في قواعد المساجد والمنشآت الدينية، ثم تفجيرها بصورة أدت إلى تدميرها بالكامل. وسُجلت 103 حالات تفجير مباشر، بدأت، وفق البيانات الواردة، بنسف مركز دار الحديث في كتاف بمحافظة صعدة في ديسمبر 2013، ومدرسة الصديق في البقع.

 

وخلال عام 2014، امتدت عمليات التفجير والتدمير إلى مساجد تاريخية ومراكز لتعليم القرآن الكريم، من بينها مسجد ومدرسة دنان في العشة، ومسجد خيوان، ومسجد بني عزيز في سفيان، إلى جانب مساجد في مديرية أرحب. كما تعرضت مساجد في مناطق من محافظتي الضالع والبيضاء للتدمير عقب اقتحام القرى.

 

واستخدم الحوثيون كذلك القصف المدفعي والصاروخي والأسلحة الثقيلة والطائرات المسيّرة في الاعتداء على المساجد. ووفق المعلومات المتاحة، تعرض 201 مسجداً للقصف، باستخدام الصواريخ الباليستية وقذائف الدبابات والهاون والطائرات المسيّرة. ومن أبرز هذه الحوادث قصف مسجد معسكر كوفل في مأرب عام 2017، أثناء أداء المصلين الصلاة، ما أدى إلى انهيار المبنى ومقتل وإصابة عدد كبير من الأشخاص.

 

ويكشف تدمير مليشيا الحوثي لمساجد اليمنيين عن جانب من سياسة الحوثي الإجرامية، فيما يمثل إخضاع المساجد وإفراغها من دورها الديني والاجتماعي تحولاً أعمق في طبيعة سيطرتهم على الأرض. مع ذلك، يمكن إعادة بناء المساجد، أما إخضاع الحوثيين لخطاب المساجد وتغيير من يديره فيؤثران في دوره داخل المجتمع.

 

اختطاف أئمة وخطباء المساجد

 

أصبح استهداف القائمين على المساجد امتداداً مباشراً لعمليات اقتحامها وتدميرها. فالإمام والخطيب يمثلان العنصر الأكثر تأثيراً في تحديد طبيعة الخطاب الديني داخل المسجد، ولذلك أصبح استبعاد الأئمة الرافضين لتوجهات الحوثيين وفرض بدلاء من عناصرهم أحد أبرز مظاهر السيطرة الحوثية على المؤسسات الدينية.

 

تشير البيانات الحقوقية الواردة إلى تحويل الحوثيين 219 مسجداً إلى مراكز للتعبئة الفكرية وإقامة الدورات الثقافية التابعة للجماعة، فضلاً عن استخدامها مجالس لتناول القات والراحة. كما أُغلق 394 مسجداً بالكامل، ودُمّرت أو أُغلقت 467 مدرسة لتحفيظ القرآن الكريم.

 

وفي محافظات صنعاء وإب وذمار، شهدت آلاف المساجد مداهمات دورية استهدفت الأئمة والخطباء المخالفين، وطرد بعضهم واستبدالهم بآخرين موالين للجماعة. وسُجلت 1,291 حالة فرض خطباء بالقوة، بالتزامن مع إجراءات أخرى استهدفت بعض الشعائر الدينية، من بينها منع استخدام مكبرات الصوت أثناء صلاة التراويح.

وترافق ذلك مع تصاعد عمليات الاختطاف والقتل والاعتداء الجسدي بحق أئمة وخطباء رفضوا الانصياع لتوجيهات الجماعة. وبحسب الأرقام الواردة، قُتل 277 خطيباً وإمام جامع، منهم 72 بالرصاص المباشر، و19 جراء القصف، و28 تحت التعذيب والضرب المبرح، فيما سُجلت 178 إصابة ناجمة عن اعتداءات مسلحة داخل المساجد. كما اختطف الحوثيون 386 إماماً وخطيباً.

وتكشف هذه الجرائم عن نمط من التعامل مع الأئمة باعتبارهم جزءاً من معادلة السيطرة الحوثية السياسية والفكرية، لا مجرد موظفين أو قائمين على إدارة الشعائر الدينية. بهذا، صار أئمة المساجد أهدافاً للاعتقال والاختطاف، خاصة عندما يعلنون رفضهم استخدام المسجد لنشر خطاب الحوثيين أو التعبئة لمعاركهم ضد اليمنيين.

رفض نشر الفكر الطائفي

يمثل رفض نشر الفكر الطائفي أحد أبرز الأسباب التي تفسر استهداف الحوثيين لأئمة المساجد وخطبائها. إذ يسعون إلى فرض خطاب عقائدي طائفي جارودي بهوية إيرانية داخل المساجد، من خلال إلزام الأئمة بترديد شعاراتهم الإيرانية وتقديم موادها الفكرية، واستخدام المنابر في الترويج لمواقف قيادتها، إلى جانب إحكام قبضتها الإدارية على المؤسسات الدينية.

ويتعرّض الأئمة للاعتقال والتهديد عندما يرفضون إلقاء محاضرات مستمدة من ملازم حسين الحوثي وخطاباته، أو ترديد الصرخة داخل المساجد. وفي حالات أخرى، تُشن حملات مداهمة لاختطاف الأئمة الأصليين وفرض خطباء بدلاء ينتمون إلى التوجه الفكري للجماعة، مستندة إلى القوة العسكرية والأمنية لفرض هذه التغييرات.

ويكشف هذا السلوك عن محاولة لانتزاع استقلالية الخطاب الديني من المؤسسات المحلية، وإخضاعه لمرجعية سياسية وعقائدية واحدة. وتظهر هذه السياسة بوضوح خلال شهر رمضان، حين تشن الجماعة حملات اختطاف ضد الأئمة الذين يصرون على استخدام مكبرات الصوت أثناء صلاة التراويح، أو يرفضون قرارات منعها في محافظات مثل صنعاء وإب وريمة. وقد نُقل عدد من هؤلاء الدعاة إلى سجون سرية، حيث تعرضوا لانتهاكات جسيمة.

تشير البيانات المتاحة إلى تعرض 73 خطيباً وعاملاً في المساجد للتعذيب الجسدي والنفسي داخل الزنازين، فيما توفي ما لا يقل عن تسعة أئمة ودعاة نتيجة التعذيب المفرط والإهمال الصحي داخل معتقلات الجماعة. وهي ممارسات تتجاوز التضييق على حرية التعبير الديني إلى استخدام الاعتقال والتعذيب وسيلة لفرض الامتثال.

وتتصل هذه الجرائم الحوثية بمحاولات التحكم في تفاصيل الشعائر نفسها. فقد تدخل الحوثيون في توقيت بعض المناسبات الدينية، ومنعوا صلوات جماعية أو فرضوا قيوداً على أدائها، بما في ذلك صلاة التراويح وصلاة العيد.

وتعود حالات اختطاف أئمة وخطباء المساجد إلى السنوات الأولى من تمدد الجماعة. ففي عام 2012، اختطف الحوثيون أربعة أئمة مساجد في مديريتي ساقين وحيدان بمحافظة صعدة، وتعرضوا للتعذيب. وبعد سيطرتهم على صنعاء، اتسعت حملات اختطاف الدعاة وأئمة المساجد من تيارات إسلامية مختلفة. وفي عام 2019، اختطفت الجماعة إمام جامع التيسير ونحو 25 من المصلين، واعتدت عليهم بالضرب، على خلفية إقامتهم صلاة عيد الفطر في موعد يخالف الإعلان الذي عممته الجماعة، استناداً إلى رؤيتها للهلال في صعدة.

وفي سبتمبر 2021، اختطفت الجماعة إمام مسجد في مديرية بني الحارث شمال صنعاء، إلى جانب مدرس لحلقات تحفيظ القرآن الكريم، عقب مداهمة المسجد، بذريعة فرضهما تدريس ملازم حسين الحوثي. وفي الحديدة، اختُطف إمام مسجد عام 2015 من داخل المسجد، بعد تطويقه بخمس عربات عسكرية. وفي محافظة ذمار، اختطفت الشيخ بشير علي البحري عام 2020، من منطقة الثلوث بمديرية عتمة، لأنه عارض جباية الحوثيين واستغلالهم منابر الجمعة لصالح المجهود الحربي. وفي محافظة إب، اختطفت خطيب مسجد حنظل في مديرية السدة في يوليو 2026، بعدما رفض استخدام المسجد لبث كلمات مسجلة لعبد الملك الحوثي عبر مكبرات الصوت.

كما اختطفت أكثر من 12 إماماً وخطيباً في مديريات يريم والسياني والمخادر بمحافظة إب، بسبب فتح مكبرات الصوت أثناء صلاة التراويح. ولم يُفرج عنهم إلا بعد مقايضتهم بفرض التزامات خطية بعدم تكرار ذلك، وهو ما يكشف استخدام الاحتجاز وسيلة لفرض قيود على ممارسة الشعائر الدينية.

وفي محافظة ريمة، أعقبت واقعة اغتيال الشيخ صالح حنتوس حملة أمنية شملت اختطاف 12 فرداً من أقاربه، بينهم بعض العاملين في الإرشاد الديني والمساجد بالمنطقة، في سياق سعي الجماعة إلى منع أي تحرك أو خطب تندد بمقتله داخل مساجد المديرية. وفي محافظة البيضاء، اختطفت الجماعة الشيخ أحمد الوهاشي في يونيو 2025، وهو إمام جامع السنة ومدرس للقرآن الكريم في منطقة مذوقين.

تتجاوز خطورة هذه الجرائم الحوثية آثارها المباشرة على الأئمة والمختطفين، لتطال المجتمع المحلي الذي يفقد مرجعياته الدينية الأصيلة، ويجد نفسه أمام خيارات محدودة بين الصمت أو الامتثال أو التعرض للعقاب. وبذلك، تؤدي عمليات الاختطاف وظيفة تتعلق بالسيطرة على الخطاب الديني، وتسهم في نشر الخوف داخل المساجد.

وتقدم شهادة الداعية سليم، وهو إمام وخطيب في الحديدة، مثالاً على طبيعة الجرائم الحوثية التي يتعرض لها بعض الأئمة بعد اختطافهم. فبحسب ما نقلته منظمة هيومن رايتس ووتش، ذهب سليم في بداية عام 2015 مع ابنه الأكبر لأداء الصلاة، قبل أن تحاصر المسجد خمس مركبات على الأقل، ويدخل نحو 24 مسلحاً إليه.

وقال أحد المسلحين لسليم إن الحوثيين يريدون مقابلته، لكنه رفض مغادرة المسجد. وعندها، بدأ المسلحون بضرب المصلين بأعقاب البنادق، فيما تعرض سليم لضربة في مؤخرة رأسه أفقدته الوعي. ولم تعرف أسرته مكانه إلا بعد ثلاثة أيام، حين وصلتها معلومات تفيد بوجوده في مكتب الأمن السياسي بالحديدة، لكن الحوثيين رفضوا السماح لها بزيارته. وبعد تعرضه للمرض، نُقل سليم إلى المستشفى، غير أن الحوثيين اقتحموا غرفته وأخرجوه منها، ليعود إلى الاحتجاز. وظل في السجن حتى عام 2018، حين تمكن من الخروج بعد أن دفعت أسرته عشرة ملايين ريال للحوثيين، وفق شهادته التي أوردتها المنظمة.

الخلاصة

من الصعب اختزال استهداف مليشيا الحوثي للمساجد في دوافع أمنية مرتبطة بالحرب، أو في خلافات مذهبية مع بعض الأئمة والخطباء كما تروج لها بعض الأبحاث الغربية. فامتداد الاعتداءات من تدمير المنشآت إلى فرض الخطباء، ومن منع الشعائر إلى الاختطاف والتعذيب، يشير إلى وجود مسعى أوسع لإعادة تشكيل المجال الديني اليمني وإخضاعه للسلطة الحوثية الطائفية بهويتها الإيرانية.

وتكمن أهمية المساجد في أنها تمثل واحدة من المؤسسات الاجتماعية القليلة التي ما زالت قادرة على الاحتفاظ بقدر من التأثير المباشر في حياة اليمنيين، بعيداً عن أجهزة الجماعة ووسائلها الإعلامية. فهي فضاءات تتشكل فيها الثقة الاجتماعية، وتنتقل عبرها القيم والتقاليد الإسلامية، وتُناقش من خلالها قضايا المجتمع اليومية. ولذلك، فإن إخضاعها يتيح للجماعة التأثير في المجتمع من داخله، بدلاً من الاكتفاء بفرض السيطرة عليه بالقوة.

استهداف مليشيا الحوثي الإرهابية للأئمة والخطباء؛ محاولة لتجريد المجتمع من مرجعياته وهويته الإسلامية والوطنية اليمنية الأصيلة، وقطع الصلة بين التدين المحلي والقدرة على الاعتراض على سلطة المليشيا ومشروعها الطائفي الإيراني. لهذا تتجاوز معركة الحوثيين مع المساجد حدود المباني والشعائر، لتصبح جزءاً من صراع أوسع على هوية اليمنيين، ومن يمتلك حق تشكيل وعيهم وتحديد علاقتهم بهويتهم الدينية والوطنية الأصيلة.